بغداد: حسين ثغب وعماد الإمارة
تشير التطورات الأخيرة في ملف الطاقة إلى أن الشراكة النفطية بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، تمثل أحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم في إعادة رسم مستقبل قطاع الطاقة في البلاد، إذا ما أحسن استثمارها ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد تضع المصالح الاقتصادية للعراق في المقام الأول، لاسيما أن التحديات التي يواجهها هذا القطاع لم تعد تقتصر على زيادة الإنتاج النفطي، وإنما اصبحت ترتبط بقدرة الدولة على تحويل ثرواتها الطبيعية إلى مشاريع تنموية مستدامة تعزز النمو الاقتصادي وتوفر فرص العمل وتدعم أمن الطاقة.
وشكلت “الطاقة والاقتصاد” المحور الرئيسي في الاتفاقيات التي أبرمها العراق خلال الزيارة التي أجراها مؤخراً رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي إلى واشنطن، والتي التقى خلالها بالعديد من الشركات العالمية المتخصصة في قطاعات الطاقة والتنمية والمصارف والتكنولوجيا، وهي الزيارة التي عدها مراقبون «بالطفرة» الاقتصادية التي يمكن أن تسهم بزيادة معدلات التنمية المستدامة.
المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح في حديث لـ “الصباح” أكد أن أهمية الزيارة تكمن في الانتقال من الاتفاقيات التقليدية إلى إطار الشراكة الاستثمارية طويلة الأمد، القائمة على تحقيق المصالح المشتركة، فالعراق يمتلك الموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية، بينما الولايات المتحدة الأميركية تمتلك التكنولوجيا، والخبرة ورؤوس الأموال، والقدرة على جذب الشركات العالمية، وعندما تجتمع هذه المقومات ضمن إطار مؤسسي واضح، فان النتيجة تكون
شراكة تحقق المنفعة للطرفين.
كسب استثمارات حقيقية
ويرى صالح، أن صندوق الطاقة والتنمية، الذي تم الاتفاق بشأنه في واشنطن، ينسجم تماماً مع ما يعرف اقتصادياً بمبدأ الفوز المشترك وهو المبدأ الذي يقوم على أن نجاح اي شراكة لايقاس بما يحصل عليه طرف دون الآخر، وإنما بقدرتها على تحقيق مكاسب متبادلة ومستدامة، فالعراق يكسب استثمارات حقيقية، ونقلاً للتكنولوجيا، وتطويراً للبنية التحتية، وفرص عمل، وتعزيزاً لاقتصاده المنتج، فيما تحقق الشركات الأميركية عوائد استثمارية مجزية من خلال العمل في سوق يمتلك إمكانات نمو كبيرة.
تمويل مشاريع إستراتيجية
ولفت صالح أيضاً أنه “لا ينبغي النظر إلى صندوق الطاقة والتنمية على أنه صندوق مخصص لقطاع النفط وحده، رغم أهمية هذا القطاع، بل بوصفه منصة لتمويل مشاريع استراتيجية في الطاقة الكهربائية، واستثمار الغاز، والطاقة المتجددة، والصناعات المرتبطة بالطاقة إلى جانب دعم مشاريع البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتطوير القطاع المصرفي، بما يعزز البيئة الاستثمارية ويزيد من قدرة الاقتصاد العراقي على النمو .”
الصناديق التنموية
وأكد المستشار الحكومي، على أن نجاح هذا الصندوق يعتمد على أسس واضحة، وفي مقدمتها الحوكمة الرشيدة، والشفافية وحسن إدارة الموارد، واختيار المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، لضمان تحقيق أثر تنموي حقيقي، بعيداً عن الهدر أو التوظيف السياسي، فالصناديق التنموية في العالم تقاس بقدرتها على إيجاد قيمة اقتصادية مستدامة، لا بحجم الأموال التي ترصد لها.
وتابع ، لم يعد مفهوم الشراكة المتوازنة الذي طرحه رئيس الوزراء الزيدي مجرد عنوان سياسي، بل يأخذ أبعاده العملية من خلال المبادرات التي طرحت خلال المباحثات مع أميركا، وفي مقدمتها مقترح صندوق الطاقة والتنمية، والذي يمكن أن يشكل الحجر الأساس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين .
صندوق التنمية
ونبه صالح إلى أن صندوق الطاقة والتنمية يمكن أن يمثل التطبيق العملي لمفهوم الشراكة المتوازنة الذي تتبناه الحكومة، لأنه يجسد انتقال العلاقات العراقية الأميركية من التعاون التقليدي إلى الشراكة الاقتصادية التي تقوم على تبادل المصالح .
بدوره رئيس مركز العراق للطاقة د. فرات الموسوي قال لـ “الصباح”: إن هذه الشراكة تتجاوز المفهوم التقليدي القائم على تصدير النفط الخام، لتنتقل إلى مرحلة أكثر عمقاً تعتمد على نقل التكنولوجيا الحديثة، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في الغاز المصاحب، ورفع كفاءة الحقول النفطية، لافتاً إلى أن العراق يمتلك إمكانات كبيرة، غير أن الإفادة القصوى منها تتطلب توظيف الخبرات العالمية في مجالات الحفر الذكي، والاستخلاص المعزز للنفط، وإدارة المكامن، إلى جانب تطوير الصناعات المرتبطة بقطاع الطاقة.
خطوة إستراتيجية
ومن أبرز المكاسب التي يمكن تحقيقها، وفق هذا التوجه بحسب الموسوي: معالجة واحدة من أكثر المشكلات المزمنة التي يعاني منها العراق، والمتمثلة بحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب، رغم الحاجة المحلية المتزايدة إلى الوقود اللازم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، فاستثمار هذا الغاز لا يعني فقط زيادة الإيرادات، بل يمثل خطوة استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوفير مليارات الدولارات التي تستنزفها الموازنة العامة سنوياً، فضلاً عن الحد من الآثار البيئية الناجمة عن عمليات الحرق المستمرة.
المنافذ البديلة
وذكر أن لهذه الشراكة أهمية إضافية في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، إذ أن تنويع منافذ تصدير النفط والغاز أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية في آن واحد، مبيناً أن تطوير خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة للتصدير من شأنه أن يقلل من المخاطر المرتبطة بأي توترات قد تؤثر في حركة التجارة عبر الخليج، ويوفر للعراق مرونة أكبر في إدارة صادراته النفطية والحفاظ على استقرار تدفق الإيرادات.
رسائل إيجابية
ومن الجانب الاقتصادي، فإن استمرار عمل الشركات العالمية الكبرى في العراق يبعث برسائل إيجابية إلى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، ويعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية جديدة في قطاعات الصناعة والبتروكيماويات والنقل والخدمات المالية، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويعزز مسار التنويع الاقتصادي.
وفي المحصلة، فإن الشراكة العراقية–الأميركية في قطاع النفط والغاز تمثل فرصة استراتيجية ينبغي استثمارها بعناية، شريطة أن تقوم على مبدأ تحقيق المصالح المتبادلة، ونقل التكنولوجيا، وتعظيم القيمة المضافة داخل العراق. فالنجاح الحقيقي لن يقاس بحجم الإنتاج أو الصادرات فحسب، بل بقدرة هذه الشراكة على بناء قطاع طاقة حديث، وتحويل الثروة النفطية إلى قاعدة للتنمية الصناعية، وتحقيق أمن الطاقة، وخلق فرص العمل، وترسيخ أسس اقتصاد أكثر استقراراً واستدامة
في السنوات المقبلة.
قيمة مضافة
من ناحيته، يرى الخبير الاقتصادي سيف الحلفي، أن بناء اقتصاد عراقي قوي ومستدام يتطلب الانتقال من الاعتماد على الايرادات النفطية وحدها إلى إقامة شراكات استراتيجية قادرة على خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. ويؤكد أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لشراكة نفطية عراقية – أميركية لا تقتصر على زيادة الإنتاج، وإنما تسهم في رفع الناتج المحلي الاجمالي، وتوطين الصناعات المرتبطة بقطاع الطاقة، وبناء قاعدة صناعية وطنية تقلل من الاعتماد على الاستيراد وتوفر فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب العراقي.
الصناعات التحويلية
ويشير إلى أن نجاح هذه الشراكة يتطلب ربط الاستثمار في قطاع النفط والغاز بتطوير الصناعات التحويلية والبتروكيماوية، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر الوطنية، بما يضمن تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية تدعم الاقتصاد وتزيد من قدرته على مواجهة
التقلبات العالمية.
التحويلات المالية
ويضيف الحلفي أن الإصلاح الاقتصادي لا يقتصر على القطاع النفطي، بل يمتد إلى تنظيم حركة التجارة والتحويلات المالية وفق معايير دولية تضمن انسيابية التجارة المشروعة، وتحد من عمليات التلاعب والتهريب، وتعزز الشفافية في التعاملات التجارية والمالية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استقرار الأسواق وتحسين البيئة الاستثمارية.
نقطة تحول
ويؤكد أن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية مع اقتراب دخول ميناء الفاو الكبير ومشروع طريق التنمية مراحل التنفيذ، إذ يمثل هذان المشروعان نقطة تحول في مكانة العراق الاقتصادية والإقليمية. فالموقع الجغرافي الذي يتمتع به العراق يؤهله ليكون ممراً رئيساً للتجارة الدولية، ومركزاً لوجستياً يربط الشرق بالغرب، وهو ما يتطلب استكمال البنية التحتية وتوفير بيئة استثمارية جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال العالمية. ولفت إلى أن استثمار هذه الفرص بصورة صحيحة ينقل العراق من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد إلى اقتصاد منتج ومتنوع، قادر على تعزيز الصناعة الوطنية، وزيادة الصادرات، وتحقيق التنمية المستدامة، بما يرسخ مكانة العراق كقوة اقتصادية
حقيقية في المنطقة.
الفرص الاستثمارية
وفي الاتجاه ذاته تحدث لـ “الصباح” الخبير في الشأن الاقتصادي الدكتور احمد الراوي قائلاً: نحتاج إلى الشراكة الاقتصادية مع الدول المتقدمة ولاسيما في الصناعات الاستخراجية كالنفط والغاز رغم أن العراق وقع تراخيص مع شركات عالمية لتطوير قطاعه النفطي إلا أن هذه التراخيص لم تمكن العراق من الوصول إلى زيادة إنتاجه إلى 10 ملايين برميل يومياً بسبب أنه يعاني من نقص كبير في بناه التحتية للصناعة النفطية من حيث منظومات النقل والتسويق.
الغاز المصاحب
وهذا ما تجلى واضحاً خلال الحرب الأخيرة بين أميركا وإيران وإغلاق مضيق هرمز، وأدت إلى شبه توقف كامل لتصدير النفط بسبب الحرب . كما أن العراق يحتاج إلى شركات لتحويل غازه المصاحب للنفط إلى غاز يمكن استثماره في صناعة الكهرباء وتخفيف العبء المالي عن قيمة استيراد الغاز من الخارج .
الشراكة الاقتصادية
وبين الراوي ، بأن الشراكة الاقتصادية يجب ألا تتوقف على القطاع النفطي وإنما في مجالات القطاعات الإنتاجية والمالية كون العراق يعاني من اختلال هيكله الاقتصادي واعتماده الكلي على النفط . فالقطاع المالي يعاني من وضع العراق في المنطقة الرمادية أي في منطقة عدم الثقة بالتزاماته المالية بسبب ارتفاع الديون وسوء إدارة المال العام وضعف النظام المصرفي . وإن الشراكة الاقتصادية تحتاج إلى إرادة سياسية جادة في تهيئة المناخ والاستقرار الأمني لضمان جذب الاستثمارات الخارجية وهذا يتطلب من العراق أن يقوم بإجراءات تؤمن ذلك وتعيد الثقة للشركات الأجنبية للتعامل مع العراق .
