يواصل المشهد التشكيلي الإماراتي إثراء الساحة الفنية بإبداعات فردية تتسم بالدهشة والابتكار، وتبرز في هذا السياق أعمال الفنانة هدى سيف الظهوري، التي قدمت تكويناً فنياً لافتاً يمزج بين أوراق اللوز والخشب.
وصاغت الفنانة عملها على هيئة ساعة، في دلالة رمزية تعبر عن الذاكرة، والتحول، والزمن النسبي المرتبط بالمكان والزمان، محققة توازناً بصرياً دقيقاً بين العفوية وحرفية التشكيل ضمن لغة لونية هادئة.
وحول الأبعاد الرمزية لهذا العمل، أوضحت الظهوري أن اختيار أوراق شجرة اللوز وتشكيلها كساعة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشهر فبراير، وهو شهر ميلادها الذي يمثل لها الانبعاث والتجدد. ولفتت إلى أن هذا الشهر يتزامن طبيعياً مع دورة حياة شجرة اللوز التي تجدد فيها أوراقها، مما يضفي على العمل بُعداً فلسفياً يربط التجدد في دورة الطبيعة بمفهوم الزمن الإنساني.

ترى الفنانة هدى سيف أن الولادة تمثل نقطة انطلاق الحياة ومرحلة الطفولة الأولى، حيث يبدأ الطفل في استكشاف محيطه والتفاعل مع الأشخاص والأماكن، ليبني بذلك مخزوناً من الذكريات التي ترسم ملامح مستقبله. ومن هذا المنطلق، تستحضر الفنانة هذه الذاكرة عبر توظيف أوراق اللوز، لتعيد عيش تلك اللحظات وتتفاعل مع تفاصيل الماضي، ولكن من منظور زمني مختلف.
وعلى الصعيد التقني، تمكنت سيف في عملها من إحداث توازن دقيق بين مختلف عناصر التكوين الفني؛ كالشكل، واللون، والملمس، والقيمة الجمالية، إلى جانب الاعتماد على منظور فني يبرز التباين بين النور والظل. كما دمجت ببراعة بين الدلالة الزمنية المتمثلة في شهر فبراير ومبادئ التوازن والإيقاع الفني، لتخرج بعمل متناغم ينجح في إيصال رسالتها الجمالية والرمزية والعميقة للمتلقي.

يتأسس التكوين التشكيلي في عمل الفنانة هدى سيف على حوار بصري هادئ يجمع بين الطبيعة وتشكيلاتها، حيث يضفي استخدام أوراق اللوز لمسة من الصدق الفني، محولاً إياها من مجرد عناصر طبيعية إلى لغة بصرية تنطق بآثار الزمن وتحولاته المستمرة.
وابتكرت الفنانة أقراصاً دائرية متدرجة لتخلق توازناً دقيقاً بين السكون والحركة، في حين تبدو الأوراق المتناثرة في محيط العمل كامتداد سردي يجسد ذاكرة الخريف أو الأثر المتبقي بعد اكتمال دورة الحياة.
وتلعب التدرجات اللونية المنسجمة بين الأخضر، والأصفر، والبني دوراً بارزاً في تعميق إحساس المتلقي بالدورة الطبيعية للحياة، كاسرة رتابة الأشكال بمرونة وشاعرية عالية. ويبرز نجاح هذا التكوين في مزجه الدقيق بين الانتظام الفني والعفوية المطلقة، مما يمنح المشاهد حرية التأمل والتأويل، ليوجه العمل رسائل ضمنية تهمس بالتحول، والسكينة، وجماليات البساطة دون أن يفرض قراءة أحادية.
كما يساهم الملمس الهش مع تقلبات الألوان بين درجات الأخضر والذهبي والبني في الإشارة إلى فكرة “الزمن المتجدد”، حيث توثق الفنانة لحظة الانتقال الدقيقة بين ذروة الحياة وبداية الذبول. وبفضل هذا التوظيف الواعي، تتناغم العفوية مع التكوين الدائري المنظم، لتضيف الأوراق بُعداً حسياً يستحضر الذاكرة، ويدعو للتأمل في تفاصيل الطبيعة البسيطة والمهمشة، محولة إياها إلى رموز تشكيلية تعبر بصدق عن الأثر والزمن والهدوء.
